21/12/2025
الديكتاتور "محمد صبحي"
=========
٢ مارس ٢٠١٤
***
لماذا خذلَنا الفنان محمد صبحي، ورفض حقيبة الثقافة مرّةً تلو مرة؟ سألتُه فأجابني بسؤال:
“هل ترحبين بخسارة صبحي الفنان، أم صبحي الوزير؟"
فصمتُّ. لأن الوزراء بالآلاف، لا نكاد نذكرهم، أما صبحي الفنان، فواحدٌ، لا تجودُ السماءُ بمثله إلا كلَّ قرن. فالسماءُ سخيّة بالساسة والبشر، شحيحةٌ بالموهوبين الاستثنائين.
ورغم اقتناعي بإجابته، كنتُ أرجو قبوله الوزارة، مع عدم خسارته كفنان، لأسباب سأسردُها:
أولا، هي وزارة انتقالية مؤقتة. فلا بأس من استراحة محارب قصيرة لصبحي الفنان، يضطلع فيها صبحي الوزير بدفع عجلة التثقيف وتطهير الأروقة الموبوءة بالفساد والكسل والترهّل، ثم يعود بعدها، إلى، حبيبته الأثيرة: خشبة المسرح.
ثانيًا، رجائي ليس لإعجابي به كفنان فائق يحمل شعلة الريحاني ويوسف وهبي وفؤاد المهندس، فأصبح العلامة المضيئة الوحيدة في المسرح المصري الآن، في زمن الركاكة والإسفاف، بل لإيماني بأنه "مخرج" فائق، والإخراجُ "إدارةٌ" وليس رؤية فنية وحسب.
وكلُّ مَن عمل مع صبحي وصفه بالمخرج "الديكتاتور"، وهو الاسم الحركي المصري لوصف المدير "الملتزم الحاسم" الذي لا يمزج الجدَّ بالهزل، ولا يقبل التهريج والفوضى وقت العمل، الذي بمجرد أن ينتهي، يختفي صبحي الديكتاتور المتجهم، ويحلّ محله صبحي البشوش المرح.
ثالثًا، لأن صبحي "مثقفٌ عضوي"، بتعبير أنطونيو جرامشي، لهذا حارب الهيمنة على الثقافة كوسيلة لقمع الفقراء. فالمثقف هو كتلة الخرسانة العضوية التي تربط الناس بالبنية الفوقية. لهذا اهتم بالعشوائيات، وابتكر مشروع: "المسرح للجميع"، فجعل تذكرة مسرحه (١٠ جنيهات فقط)، ويسعى لبناء مسرح في كل قرية. عملاً بمقولة فلاديمير لينين: “أعطني خبزًا ومسرحًا، أعطِك شعبًا مثقفًا".
فساهم في رفع وعي الجمهور بحقوقه، والارتقاء بإنسانيته عبر أعماله، وقدّم نموذج الأسرة المثالية في "عائلة ونيس” بأجزائها الثمانية. والحق أن "ونيس" النبيل زوج "مايسة"، ووالد الأربعة، هو "صبحي" العاشق لزوجته "نيفين" والأب الرائع لمريم وكريم.
رابعًا: لأنه يمتلك "رؤية" vision، لتطوير مصر والحفاظ على تراثها وهويتها ولديه برنامج متكامل لتقديم المسرح العالمي، والواقعي، والتراثي، واستعادة هوية ٢٧ محافظة مصرية. ذلك هو المفكّر "خارج الصندوق" الذي ذكرتُه بمقالي: “نحتاج عُصبة من المجانين"، بمعنى الابتكار وكسر النمط ومخالفة قطيعٍ درج على محاكاة الأخطاء، وتكرارها.
ولكن، وللأسف، تقول القاعدة: إن الشرفاء الموهوبين، دائمًا، عازفون عن المناصب، مستغنون؛ لأنهم مشغولون بمشاريعهم التنويرية، أما الخاملون الفارغون فقراء الموهبة، فدائمًا، لاهثون متهافتون. تلك هي محنةُ كل الأزمنة. لهذا كان صبحي، كعادته، ديكتاتورًا. رفض الوزارة رغم إلحاح جمهوره العريض، ووافق، فقط، أن يكون مستشارًا ثقافيًا دون أجر، ليخدم مصر، من الكواليس. أفخرُ أنني عاصرتُ هذا الرجل، زمانًا ومكانًا.
***
#مصر